الثلاثاء، ديسمبر 13، 2011

من شعر بدوى جبل


الحبّ و الله
 -----------------------------------
تأنّق الدوح يرضي بلبلا غردا من جنّة الله قلبانا جناحاه
يطير ما انسجما حتّى إذا اختلفا هوى . و لم تغن عن يسراه يمناه
ألخافقان معا فالنجم أيكهما و سدرة المنتهى و الحبّ : أشباه
أسمى العبادة ربّ لي يعذّبني بلا رجاء و أرضاه و أهواه
و أين من ذلّة الشكوى و نشوتها عند المحبّين عزّ الملك و الجاه
تقسّم الناس دنياهم و فتنتها و قد نفرّد من يهوى بدنياه
ما فارق الريّ قلبا أنت جذوته و لا النعيم محبّا أنت بلواه
غمرت قلبي بأسرار معطّرة و الحبّ أملكه للروح أخفاه
و ما امتحنت خفاياه لأجلوها و لا تمنّيت أن تجلى خفاياه
الخافقان _ و فوق العقل سرّهما كلاهما للغيوب : الحبّ و الله
كلاهما انسكبت فيه سرائرنا و ما شهدناه لكنّا عبدناه
أرخصت للدمع جفني ثم باكره في هدأة الفجر طيف منك أغلاه
و أسكرتني دموعي بعد زورته أطيف ثغرك ساقاها حميّاه
طيف لشقراء كاس من متارفه لو لم أصنه طغى وجدي فعرّاه
حمنا مع العطر ورّادا على شفة فلم نغر منه لكنّا أغرناه
تهدّلت بالجنى المعسول و اكتنزت و الثغر أملؤه للثغر أشهاه
نعبّ منه بلا رفق و يظمؤنا فنحن أصدى إليه ما ارتشفناه
في مقلتيك سماوات يهدهدها من أشقر النور أصفاه و أحلاه
و رنوة لك راح النجم يرشفها حتّى ترنّح سكر في محيّاه
أطلّ خلف الجفون الوطف موطنه بعد الفراق فحيّاه و فدّاه
يضيع عنّي وسيم من كواكبها فحين أرنو إلى عينيك ألقاه
قلبي و للشقرة المغناج – لهفته ليت الحنين الذي أضناه أفناه
تضفّر الحور غارا من مواجعه و تستعير روءاها من خطاياه
أغفين فيه لماما ثمّ عدن إلى جنّاتهنّ و قد لملمن ريّاه
يسألن باللهفة الغيرى على خجل : من فجّر العطر منه حين أدماه ؟
لم تعرف الحور أشهى من سلافتنا رفّ الهجير ندى لما سقيناه
مدلّه فيك ، ما فجر و نجمته ! مولّه فيك ، ما قيس و ليلاه !
من كان يسكب عينيه و نورهما لتستحمّ روءاك الشقر لولاه
سما بحسنك عن شكواه تكرمة و راح يسمو عن الدنيا بشكواه
يريد بدعا من الأحزان مؤتلقا و من شقاء الهوى يختار أقساه
سكبت قلبك في وجدانه فرأت يا عزّ ما شئت لا ما شاء عيناه
أنت السراب عذاب و قده و ردى و تؤنس العين أفياء و أمواه

اتسألين عن الخمسين ؟
 -----------------------------------
أتسألين عن الخمسين ما فعلت يبلى الشباب و لا تبلى سجاياه
في القلب كنز شباب لا نفاد له يعطي و يزداد ما ازدادت عطاياه
فما انطوى واحد من زهو صبوته إلاّ تفجّر ألف في حناياه
هل في زواياه من راح الصبا عبق كلّ الرحيق المندّى في زواياه
يبقى الشباب نديّا في شمائله فلم يشب قلبه إن شاب فوداه
تزيّن الورد ألوانا ليفتننا أيحلف الورد أنّا ما فتنّاه
صادي الجوانح في مطلول أيكته فما ارتوى بالندى حتّى قطفناه
هذا السلاف أدام الله سكرته من الشفاه البخيلات اعتصرناه
جلّ الذي خلق الدنيا و زيّنها يالشعر أصفى المصفّى من مزاياه
نحن الذين اصطفانا من أحبّته
فلو تدار الطلى كنّا نداماه و شرّف الشعر لما صاغه ترفا
فكنت نعمته النشوى و معناه و راح ينشدنا عصماء شفّة
و مقلة و جننّا فاستعدناه ***
روحي فدى و ثن ما كان أفقرنا إليه في عزّة النعمى و أغناه
إن كان يذكر أو ينسى فلا سلمت عيني و لا كبدي إن كنت أنساه
يا من سقانا كؤوس الهجر مترعة بكى بساط الهوى لما طويناه
***

اللهب القدسي
 -----------------------------------
يحبّ قلبي خباياه و يعبدها إذا تبرّأ قلب من خباياه
طفولة الروح أغلى ما أدلّ به و الحبّ أعنفه عندي و أوفاه
قلبي الذي لوّن الدنيا بجذوته أحلى من النور نعماه و بؤساه
غرّ و أرفع ما فيه غرارته و أنذل الحبّ – جلّ الحبّ – أدهاه
ما الحسن إلاّ لبنات منمّقة لكن يؤلهه أناّ عشقناه
لم يرده ألف جرح من فواجعه حتّى أصيب بسهم منك أرداه
***
آمنت باللّهب القدسيّ مضرمه أذكى الألوهة فينا حين أذكاه
نزيّن الروح قربانا لفتنته و قد يضنّ فتستجدى مناياه
و لو أقام الضحايا من مصارعها لآثرت موتها فيه ضحاياه
ألعبقرّيات وهج من لوافحه و الشمس مجلوّة إحدى هداياه
و تلئهين بهدي من عقولهم لو يمّموا اللّهب القدسيّ ما تاهوا
ما راعنا الدهر بالبلوى و غمرتها لكنّنا بالإباء المرّ رعناه
إن نحمل الحزن لا شكوى و لا ملل غدر الأحبّة حزن ما احتملناه
و ما رعانا على عصف الخطوب بنا هوى حبيب رعيناه و نرعاه
ليت الذين و هبناهم سرائرنا في زحمة الخطب أغلوا ما وهبناه
و لا وفاء لقلب حين نؤثره حتى تكون رزايانا رزاياه
أشامت عند جلاّنا و ما نزلت إلاّ على الحبّ و الإيثار جلاّه
هان و محنتي العصماء دامية راو و من لوعتي الشمّاء سقياه
ما ضجّ في قلبه جرح فكابده و لا ألمّ به وجد فعاناه
تضنّ باللّهفة الحرّى جوانحه و القلب أخضبه بالنور أسخاه
فما ترشّفت إيمانا بمعبده و لا شممت طيوبا في مصلاّه
ناء عن النّار لو طاف اللّهيب به لوهّجت هذه الدّنيا شظاياه
قد هان حتّى سمت عنه ضغينتنا فما حقدنا عليه بل رحمناه
يرضيه أن يتشفّى من مدامعنا لم نبك منه و لكنّا بكيناه
حسب الأحبّة ذلاّ عار غدرهم و حسبنا عزّة أنّا غفرناه
يهنيك أنّك في نعمى لمحنته و أنّ غدرك قبل الدهر أشقاه
جاه خلقناه من ألوان قدرتنا فكيف بكفر فينا من خلقناه
لو رفّ حبك في بيداء لاهبة على الظماء رحيقا ما وردناه
حلوت طيفك عن عيني فأسلمه إلى الدجى و إلى الإعصار مأواه
فيا لكنز شكت منه جواهره و ضاع عن نفسه لمّا أضعناه
صحا الفؤاد الذي قطّعته مزقا حرّى الجراح و لملمنا بقاياه

إيه حكيم الدّهر
-----------------------------------
حلي النديّ كرامة للرّاح عجيا اتسكرنا و أنت الصاحي
لك في السرائر بدعة مرموقة أنس المقيم و جفوة النزّاح
مجد كآفاق السماء اذا انتهت منه نواح بادهت بنواحي
الدّهر ملك العبقريّة وحدها لا ملك جبّار و لا سفّاح
و الكون في أسراره و كنوزه للفكر لا لوغى و لا لسلاح
ذرت السّنون الفاتحين كأنّهم رمل تناوله مهبّ رياح
لا تصلح الدّنيا و يصلح امرها إلاّ بفكر كالشعاع صراح
مرح على كيد الحياة و أهلها يلقى شدائدها بأزهر ضاح
خير العقائد في هواي عقيدة شمّاء ذات توثّب و جماح
تبني الحياة على هدى إيمانها و العقل مثبت غيرها و الماحي
سكرى العقيدة أين من آفاقه سكر العيون و أين سكر الراح
ملك الحياة فخلف كلّ ثنيّة لليأس يكمن منه ألف طماح
شرف المعارك بالجراح و بالردى فبدار قسطك من أذى و جراح
و احمل بكفّيك الحياة تحدّيا منها لأول معتد بالسّاح
ألعمر من غيب القضاء خبيئة فابسط مصون كنوزه بالرّاح
لا تشك من قصر الحياة فربّما أغنت إشارتها عن الإفصاح
سفر الحياة إذا اكتفيت بمتنه أغناك موجزه عن الشرّاح
و اختر لنفسك ميتة مرموقة بين النّجوم على الأديم الصاحي
للموت في اللجج العميقة رهبة شمخت بسؤددها على الضحضاح
حوّطت بالله العقيدة من أذى خرقاء فاجرة اليمين وقاح
سكرت على كرم النديّ و عربدت فاليوم لا خمري و لا أقداحي
لهو العيون و لا أقول قذاتها و كل تكلّف زهوة المجتاح
مترنّح العطفين من خيلائه ماذا تركت لغارة و كفاح
الله يعلم ما أردت شماتة بمصرّعين من العياء طلاح
تأبى الشماتة في الضّعيف شمائلي و تعفّ عن شلو الجريح صفاحي
و أنا الذي وسع الهموم حنانه و بكى لكلّ معذّب ملتاح
أشقى لمن حمل الشقاء كأنّما أتراح كلّ أخي هوى أتراحي
غسل الأسى قلبي و حسبك بالأسى من غاسل حقد القلوب و ماحي
و وددت حين هوى جناح حمامة لو حلّقت من خافقي بجناح
حبّ قد انتظم الوجود بأسره أسد الشرى و حمامة الأدواح
***
أعمى تلفّتت العصور فما رأت عند الشموس كنوزه اللّماح
نفذت بصيرته لأسرار الدّجى فتبرّجت منها بألف صباح
من راح يحمل في جوانحه الضّحى هانت عليه أشعّة المصباح
***
أمصوّر الدنيا جحيما فائرا يرمي العصور بجمره اللّفّاح
هوّن عليك ففي النّفوس بقيّة من رحمة و مروءة و سماح
خلف الخجير و عنفه و لهيبه ما شئت من ظلّ و طيب نفاح
ضجّت ملائكة السّماء بساخر مرّ الدعابة شاتم مدّاح
السخر فيه إذا أخذت بكفره كالسخر حين تراه في النصّاح
نكب العقائد و الطّباع فيا لها فتكات حتف كالقضاء متاح
و عدا على حرم السماء فيا له فنحا أطلّ به على الفتّاح
عرّى السرائر و النّفوس ممزّقا عنهنّ كلّ غلالة و وشاح
و جلا المصون من الضمائر فانتهى همس النّفوس لضجّة و صياح
إن يقس في نقد الطباع فلم تكن ترجى لرحمتها يد الجرّاح
إيه رهين المحبسين ألم يئن إطلاق مأسور وفكّ سراح
ظفرت برحمتك الحياة وصنتها عن كلّ ناعسة الجفون رداح
أتضيق بالأنثى و حبّك لم يضق بالوحش بين سباسب و بطاح
يا ظالم التّفاح في وجناتها لو ذقت بعض شمائل التفّاح
عطر أحبّ من المنى و غلالة بدع فمن وهج و من أفراح
هي صورة لله عزّ و جلّ جلاله عزّت نظائرها على الألواح
***
منحت بقدرته النعيم و لوّنت أنواره جلّت يد المنّاح
ليت الهموم العبقريّة هدهدت بحنان طيّبة اللّمى ممراح
لو أنّها نزلت على نعمى الهوى نزلت مدلّلة بأكرم ساح
حرم على عسر الزمان و يسره و حمى أمين السرب غير مباح
ما أحوج العقل الحكيم و همّه و سع الحياة لصبوة و مراح
و لمن تدلّله و تسكر روحه عند الهجير بظلّها النفّاح
أنثى إذا ضاقت سريرة نفسه طلعت بآفاق عليه فساح
تسقى الهموم إذا وردن حنانها بمعطّر كالسلسبيل قراح
وتردّهنّ عرائسا مجلوّة كندى الصباح و كنّ غير صباح
للعبقريّة قسوة لولا الهوى عصفت بكلّ عقيدة و صلاح
رعناء إن ترك الجمال عنانها طاحت بفارس متنها الجحجاح
ما للشراع على العواصف حلية إن لم تصرّفه يد الملاّح
***
إيه حكيم الدّهر أيّ مليحة ضنّت عليك بعطرها الفوّاح
أسكنتها القلب الرّحيم فرابها ما فيه من شكوى و رجع نواح
جرحت إباءك و الحياء فأقفلا باب المنى و رميت بالمفتاح
لو أنصفت لسقتك خمرة ريقها سكر العقول و فتنة الأرواح
و لأسعفتك على الهوى بمعطّر بالحسن لا بشقائق و أقاح
لا تخف حبّك بالضغينة و الأذى الحبّ جوهر حقدك الملحاح
و أطل هجاءك ما تشاء فخلفه غرر منضّرة من الأمداح
العبقريّة و الجمال تحدّرا من نبعة و تسلسلا من راح
أخوان ما طلع الضّحى لولاهما إلاّ على العبرات و الأتراح
الظاّلمان المالكان و نعمة ما أسلفا من زلّة و جناح
إنّ التي حرمتك نعمة حبّها و أبيك عار كواعب و ملاح
لو كان في يديّ الزّمان و سرّه و أعنّة الإمساء و الإصباح
في مشهد تكسو الوفود رحابه و يغصّ بالغادين و الروّاح
لنزعت فتنتها و سحر جفونها و محوت نور جبينها الوضّاح
و نثرت جوهر ثغرها من عقده فصحاحه العطرات غير صحاح
و رددت للسبعين ريّق عمرها و الحاليات من الصبا الممراح
و جلوت مرآتي .... فندّت صرخة كلمى و غطّت خزيها بالرّاح
حتّى إذا أتمت ذلك كلّه أشرفت انظر نظرة المرتاح
فثأرت من ظلم الجمال و ربّما شمتت جراح في الثرى و أضاح
و إذا رأيتك ضقت فيه تنكّرت للجدّ منه دعابتي و مزاحي
***
الوحدة الكبرى تهلّل فجرها بظلال أبلج ذائد نفّاح
هذي العروبة في حماك مدلّة ريع العدوّ بها و ضاق اللاّحي
الأزرق الرجراج حنّ لرملة في الدّجلتين نديّة مسماح
و رأى الكنانة إن تماجد ما جدت بالعاص لا بمنى و لا بفتاح
سمعا حكيم الدّهر فهي قصيدة و أبيك بدع مغرّد صدّاح
عصماء إن شهد النديّ خطيبها تركت فصاح القوم غير فصاح
بدهت شواردها العدى بكتيبة خضراء تلمع بالحديد رداح
هل في ثراك على المعرّة موضع بين العيون لدمعي السحّاح
حنت النّفوس عليه تسكب حبّها فجلت براح البيد غير براح
ما للجياد الأعوجيّة حسّرا صرعى الهجير على المدى الفيّاح
فاعذر إذا لم أوف مجدك حقّه لجج الخضمّ طغت على السبّاح


نم بقلبي
 -----------------------------------
أدموعا تريدها أم رحيقا لا ونعماك ما عرفت العقوقا
تتجلّى عند المغيب لعيني ضياء عذب الحنان رفيقا
و جلاك الشروق حتّى تبيّنت محيّاك فاحتضنت الشروقا
و تزور البروق تخبرني عنك و لولاك ما استزرت البروقا
كلّ حسن أرى محيّاك فيه فأطيل الإمعان و التحديقا
طرق الطيف بعد أن غاب وهنا أنت أحلى من النعيم طروقا
مرّ في وحشتي نعيما و أنسا و محا أدمعي رحيما شفيقا
كلّما غبت عنه و غاب عنّي لاح في خاطري وسيما أنيقا
إن رعى صحبتي و أوردها الصفو فقد كان بالمعالي خليقا
نم بقلبي و لو قدرت منعت الــقلب حتّى تقرّ فيه الخفوقا
نم بقلبي و حرمة لك لن تسمع منّي تأوّها و شهيقا
نم بعيني فقد فرشت لك الأحلام مخضلّة الورود طريقا
نم بعيني إذا اصطفيت رؤاها همّ عيني أن تصطفى و تروقا
زيّن الجفن دمعه لك فانهل سلافا عذبا و مسكا فتيقا
***
إنّ قلبي خميلة تنبت الأحزان وردا و نرجسا و شقيقا
لو على الصّخر نهلة من جراحي راح مخضوضل الظلال و ريقا
همّي الهمّ لو تكشّف للنّاس لأغرى حسنا و راع بريقا
أترع الكأس للرّبيع فغنّى و انتشى بانه فماس رشيقا
نجمتي و الطريق تيه و ليل و رفيقي إذا فقدت الرفيقا
إنّ بعض الأحزان يخطب بالمجد و بعض يشرى رقيقا
من جراح الضّحى سنى أريحيّ نضّر الكائنات حين هريقا
أنا و الهمّ كلّما أقبل الهمّ مشوق يلقى أخاه المشوقا
أيّها الناعمان في الغفوة النشوى أفيقا على الصّباح أفيقا
سكر الشعر من سلافي و عبّت من دناني فجنّت الموسيقا
***
وحدتي عالم من السّحر و الفتنة حلو القطاف خمرا و ريقا
و أديم يغفو ثراه على العطر و يغريه عنبرا مسحوقا
طف بقلبي تجد به ألف دنيا لا يلاقي الشقيق فيها الشقيقا
سكنته الشموس من كلّ أفق و تحدّى أشتاتها أن يضيقا
حفي الفكر في عوالمها الفيح و لم يبلغ المكان السّحيقا
كلّ أفق تضيق فيه أسيرا سعة الأفق أن تكون طليقا
***
لا تلمنا إذا تركنا الميادين سمّوا بحقّنا و وثوقا
فالأصيل العتيق يأنف شوطا لم يشاهد فيه أصيلا عتيقا
ذلّ شوط يكون بين البراذين فلا سابقا و لا مسبوقا
لم تحمحم تختال بالحسن و القوّة بل حمحمت تريد العليقا
ما نزلنا عن السروج عياء لو ركبنا لما أطاقوا اللحوقا
و لنا السبق فامسحوا غرر الخيل بأيمانكم تشمّوا الخلوقا
أيّها الزاعمون أنّا فرقنا صائد الليث لا يكون فروقا
كيف يرمى بالخوف من زحم الأسد و أعيا أنيابها و الحلوقا
أنكرونا يشهد حطيم قيود و سمت منكم رقابا و سوقا
سدّة الحكم بعد آساد خفّان تضمّ الأحلاف شاء و نوقا
أبطر الحاقدين حلم أبي حسّان و الحلم أن تقيل الصديقا
جحدوا فضله و لا لوم عندي إنّ فضل الرئيس ضلّ الطريقا
إنّ نعمى الكريم دين على الحرّ و تجزى من اللئيم عقوقا
نامت الشام فاستغلّوا كراها موعد الهول بيننا أن تفيقا
لا أغالي بلومها فهي حسناء تحبّ الدّلال و التلميقا
إنّ عنف العتاب يؤذي أحبّا ي و أحلاه ما يكون رقيقا
***
جمرة الحقد في السرائر لولا ذلّ أصحابها لشبّت حريقا
قد أرقدنا دمائنا فسلوه أيّ دمع من مقلتيه أريقا
حمّلوه ما لا يطيق و كانت بدعة تخجل العلى أن تطيقا
دعك من زحمة العواصف و اترك للعقاب السماء و التحليقا
خلق الله للعظائم و المجد فريقا و للصّغار فريقا
يا زعيمي عند الدّعاء و لو شئت لناديت في الزّعيم الصّديقا
كيف تغفو ألم تر الشام في النزع و تشهد لواءها المخنوقا
مزّق القبر فالشام تناديك و تبكي مكانك المرموقا
مزّق القب فالجلاء يتيم بدّدوا إرثه و غالوا الحقوقا
ألسّري العريق هان على الدّهر كأنّ لم يكن سريّا عريقا
***
من راى في السّقام سعدا رأى الفجر وديع السّنا وسيما طليقا
يتنزّى و لا يطيق وثوبا حسرة الشّمس لا تطيق الشروقا
سألوا يوم سبقه كيف جلّى من سجاياه أن يكون سبوقا
راودتك الدّنيا على الحسن و الجاه فكنت المبرّأ الصدّيقا
سألتني عنك الخمائل في الغوطة تشتاق عطرك المرموقا
و دروب خضر عليها خطى الشاء تعيد التغريب و التشريقا
و ظلال سكرى و فوضى من الزّهر تحدّى جمالها التنسيقا
ما تبرّجن للعيون فغالي الحسن يأبى الإغراء و التشويقا
ودّت الورق لو خلعن من الحزن عليك البياض و التطويقا
***
تيّمت قلبك الطبيعة بالحسن بريئا معطّرا موثوقا
كرّم الله دنهّا و الندامى و صبوحا على الهوى و غبوقا
للنّبي ّ الإشراق من حسنها السمح و أرضى منه الخفيّ الدقيقا
حملت قوسها فهيّأت قلبي و ترّقبت سهمها المرشوقا
***
مر أرنّح عطفيك بالشّعر من عيني و قلبي منمنما منسوقا
حضريّ الخيال إن ذكر المنبت سمّى نجدا و سمّى العقيقا
عندي الكنز لا يضير غناه أن يكون المنهوب و المسروقا
و كؤوس من السماء تشهّت حور رضوان عطرها و الرّحيقا
عاب كأسي و لم يذق عطر كأسي لا تعبها بالله حتّى تذوقا
يا صحيح الإخاء قد كشف النّاس إخاء مموّها ممذوقا
أتمنّى اللّحاق فيك و أشكو للقضاء التأخير و التعويقا


الشّهيد
 -----------------------------------
وفاؤك لا عسر الحياة و لا اليسر و همّك لا الدّاء الملحّ و لا العمر
إذا المرء لم يملك و ثوبا على الأذى فمن بعض أسماء الرّدى الحقّ و الصبر
إذا ملكوا الدنيا على الحرّ عنوة ففي نفسه دنيا هي العزّ و الكبر
و إن حجبوا عن عينيه الكون ضاحكا أضاء له كون بعيد هو الفكر
فليلته صبح و عسرته غنى و أحزانه نعمى و آهاته شعر
أنزّه آلامي عن الدّمع و الأسى فتؤنسها منّي الطلاقة و البشر
و أضحك سخرا بالطغاة و رحمة و في كبدي جرح و في أضلعي جمر
كفاء لعسف الدّهر أنّي مؤمن و عدل لطغيان الورى أنّني حرّ
و ما ضرّني أسر و نفسي طليقة مجنّحة ما كفّ من شأوها أسر
أهدهد من أحزانها كلّما ونت و يسلس بعد المري للحالب الدرّ
أطلّ على الدنيا عزيزا : أضمّني إليه ظلام السجن أم ضمّني القصر
و ما حاجتي للنّور و النّور كامن بنفسي لا ظلّ عليه و لا ستر
و ما حاجتي للأفق ضحيان مشرقا و نفسي الضحى و الأفق و الشمس و البدر
و ما حاجتي للكائنات بأسرها و في نفسي الدّنيا و في نفسي الدّهر
يريدون أسراري و للّيل سرّه إذا نقّبوا عنه و ما للضّحى سرّ
لعمرك للضعف الخفاء و كيده و للقوّة الكبرى الصّراحة و الجهر
و ما أكبرت نفسي سوى الحقّ قوّة و إن كان في الدّنيا لها النّهي و الأمر
ة كنت إذا الطّاغي رماني رميته فلا نصرتي همس و لا غضبي سرّ
و أحمل عن إخواني العسر هانئا و يبعدني عنهم إذا أيسروا اليسر
فليت الذي عاطيته الودّ صافيا تجاوزني من كأسه الآجن المرّ
و أشقى إذا أعرضت عمّن أحبّه و لكن دواء الكبر عندي هو الكبر
و نفسي لو أنّ الجمر مسّ إباءها على بشرها الريّان لاحترق الجنر
و يا خيبة الطاغي يدلّ بنصره و من سيفه لا روحه انبثق النّصر
يغالي بدنياه و يجلو قتونها و دنياه في عينيّ موحشة قفر
رأيت بزهدي ما رأى بغروره فأعوامه ساع و آماده فتر
شكا حبّه لي و هو ريّان من دمي و أنيابه حمر و أظفاره حمر
و صانع يستجدي الولاء فياله غنى ملك الدّنيا و معدنه الفقر
***
تلّفّت لا شملي جميع و لا الهوى قريب و لا فرع الصبى عبق نضر
و يا سامر الأحباب مالك موحشا معاذ الهوى بل أنت يؤنسك الذكرا
أديماك من حب القلوب تمزّقت عليه فسال الحبّ و الشوق و الطّهر
إذا ظمئت في قطعها البيد نسمة ألمّت به وهنا فرنّحها السّكر
فبا للصّبا العجلى إذا عبرت به تأنّت كما يرتاح في الواحة السّفر
تمنّيت إجلالا له و كرامة لو أنّ حصاه ـنجم الفلك الزّهر
و أجزع إن مرّت به الرّيح زعزعا و أسرف حتّى جاوز الغاية القطر
فليت الرّبيع الطلق عاطاه كأسه مدّى الدّهر لا برد عليه و لا حرّ
لقد ساءني غاد عليه و رائح فمن كبدي فوق الثرى قطع حمر
و لو قدرت صانته عيني كرامة كما صين في أغلى خزائنه الدرّ
تطوف بك الأحلام سكرى كعهدها و ينطف من أفيائك الحبّ و العطر
و يضحك لي وجه نديّ منوّر كأن لم يغيّب من طلاقته القبر
و حتّى كأن لم يطوه عنّي الرّدى فهل بعث الأموات أم ردّه السحر
تلمّ به الذكرى فيحيا كبارق طواه الدّجى عنّي ليطلعه الفجر
و يبعثه حبّي و في كلّ خافق صحيح الهوى بعث الأحبّة و النشر
فيا قلب فيك الرّاحلون و إن نأوا و فيك النّدامى و الرّياحين و الخمر
خلعت على الموتى الحياة و سرّها و طالعهم منك القيامة و الحشر
وفاء يصون الرّاحلين من الرّدى إذا راح يدني من مناياهم الغدر
و يا سامر الأحباب طيف و لا كرى و سكر و لا راح و ريّا و لا زهر
كلانا على ما كلف النفس من رضى أضرّ به نأي الأحبّة و الهجر
أبا طارق هذي سراياك أقبلت يرفّ على أعلامها العزّ و النصر
لقد قدنها حيّا و ميّتا فما ثنى شكيمتها عنف و لا هدّها ذعر
فمر تشمع الدنيا هواك و ينطلق إلى الفتح بعد الفتح عسكرك المجر
و مر يتمزّق كلّ قيد أبيته و يسرف على طغيانه الحطم و الكسر
تبرأت في دنياك من كلّ ناكث ذليل فلا عرف لديه و لا نكر
و من زاهد لمّار رأى الصّيد مكثبا تمزّق عنه الزهد و افتضح المكر
و ممّن يظنّ الفقر عذرا لكفره و ما أقنع الإيمان إلاّ الرّدى عذر
يدلّ بماضيه فهل راح شافعا بذي ردّة نسك تقدّم أو برّ
عصابة شر راح يبرأ منهم إلى الله إبقاء على نفسه الشرّ
رويدك شرّ الكافرين موحّد ألحّ عليه بعد إيمانه الكفر
عباديد شتّى ألّف الوزر بينهم فلا رحم إلاّ الضراعة و الوزر
و بين اللئام العاثرين و إن نأت مناسبهم قربى السجيّة و الصهر
***
تمنّيت أنّ الغيب شفّ فلم يعق عن الملأ الأعلى حجاب و لا ستر
و لحت لنا في عالم الحقّ و التقى على الموعد الهاني المقيمون و السفر
فقرّت بما تلقاه عيناك و انطوت على النشوة الكبرى الجوانح و الصّدر
أتعلم أنّ الشام فكّت إسارها فلا قيد بعد اليوم فيها و لا أسر
يصرّف أمر النّاس فيها موفّقا معاوية الدنيا و صاحبه عمرو
و أنّ رياضا هزّ لبنان فانتخت شمائل في لبنان ميمونة غرّ
رمى كلّ برد أجنبيّ مزوّر و عادت لقحطان المناسب و النجر
و لمّا شكى لبنان ضجّت أميّة و جنّت له بغداد و التهبت مصر
أبا طارق أبقيت للحقّ سنّة هي العزّة القعساء و الفتكة البكر
بنيت عليها كتلة و طنيّة من الصيد ما خانوا هواك و لا فرّوا
لقد حملوا عنك الجهاد و ما ونى و حقّك ناب للخطوب و لا ظفر
فإن أقسموا أن يفتدوا بنفوسهم أمانتك الكبرى لديهم فقد برّوا
نماك و سيف الدولة الدار و الهوى و غنّاكما أندى ملاحمه الشعر
و أقسم بالبيت المخرّم ما احتمت بأمنع من كفّيكما البيض و السمر
فإن تفخر الشهباء فالكون منصت و حقّ بسيفي دولتيها لها الفخر
***
أحبّاي لو غير الردى حال بيننا دنا البرّ في عينيّ و انكشف البحر
بأسماعكم وقر و قد رحت شاكيا و حاشا ففي سمع الثرى وحده الوقر
و أوحشتم الدنيا كأن لم تدس بكم على الهام في الرّوع المحجّلة الشقر
و حتّى كأنّ الرّمل لم يروه دم كريم المصفّى لا أجاج و لا نزر
فوارحمتاه للنّائمين على الطوى و أتخم من قتلاهم الذئب و النسر
تهدّهم الصحراء هدّا و للرّدى سلاحان في البيد : الهواجر و القرّ
و لا ماء إلاّ ما يزوّره بها سراب نديّ اللّمح منبسط غمر
إذا سقطوا صرعى الجراح تحاملوا على نفسهم و استؤنف الكرّ و الفرّ
و لو آثروا الدنيا لقد كان جاهها تليدا لديهم و القسامة و الوفر
***
فمن مبلغ عنّي الشباب قصيدة يحلّى بها ملك و يحمى بها ثغر
تطوّف في الدنيا الوساع كأنّما هي الخضر أو يروي شواردها الخضر
هززت بها نوّامهم مترفّقا و يؤذي الشباب المرتجى اللّوم و الزجر
إذا كنت في نصحي لهم غير موجع فلي بالذي يرضي شمائلهم خبر
و عندي من زهز الشباب بقيّة يرفّ الصبا فيها و أفياؤه الخضر
ألمّت بي الأيّام حمرا نيوبها فما شاب لي قلب و لا شاب لي شعر
دروب العلى للسالكين عديدة و أقربها للغاية الموحش الوعر
فلا تقنطوا من غاية المجد لا يرى لها العقل إمكانا فقد ينبع الصخر
***
أعيذ من اليأس المرير نفوسكم تلاقى على إعاناتها الظلم و القهر
إذا ركدت بعد الهبوب فإنّها لكالبحر من أخلاقه المدّ و الجزر
أرى العفو و النسيان من خلق الصّبا و لم ينس عند الشّيب حقد و لا ثأر
و ما أكرم النسيان و العفو منكم إذا لم يضع حق و لم يحتسب وتر
و أنتم على دلّ الشباب و زهوه و أهوائه ركن القضيّة و الذخر

البلبل الغريب
 -----------------------------------
سلي الجمر هل غالى وجنّ و عذّبا كفرت به حتّى يشوق و يعذبا
و لا تحرميني جذوة بعد جذوة فما اخضلّ هذا القلب حتّى تلهّبا
و ما نال معنى القلب إلاّ لأنّه تمرّغ في سكب اللّظى و تقلّبا
هبيني حزنا لم يمرّ بمهجة فما كنت أرضى منك حزنا مجرّبا
و صوغيه لي وحدي فريدا و أشفقي على سرّه المكنون أن يتسرّبا
مصونا كأغلى الدرّ عزّ يتيمه فأودع في أخفى الكنوز و غيّبا
و صوغيه مشبوب اللّظى و تخيّري لآلامه ما كان أقسى و أغربا
و صوغيه كالفنّان يبدع تحفه و يرمقها نشوان هيمان معجبا
فما الحزن إلاّ كالجمال ، أحبّه و أترفه ، ما كان أنأى و أصعبا
خيالك يا سمراء ، مرّ بغربتي فحيّا و رحّبنا طويلا و رحّبا
جلاك لعيني مقلتين و ناهدا و ثغرا كمطول الرياحين أشنبا
فصانك حبّي في الخيال كرامة و همّ بما يهواه لكن تهيّبا
و بعض الهوى كالغيث إن فاض تألّق و بعض الهوى كالغيث إن فاض خرّبا
أرى طيفك المعسول في كلّ ما أرى وحدت و لكن لم أجد منه مهربا
سقاني الهوى كأسين : يأسا و نعمة فيالك من طيف أراح و أتعبا
و خالط أجفاني على السّهد و الكرى فكان إلى عيني من الجفن أقربا
شكونا له السّمراء حتّى رثى لنا و جرّأنا حتّى عتبنا فأعتبنا
و ناولني من أرز لبنان نفحة فعطّر أحزاني و ندّى و خضّبا
و ثنّى بريّا الغوطتين يذيعها فهدهد أحلامي وأغلى و طيّبا
و هل دلّلت لي الغوطتان لبانة أحبّ من النعمى و أحلى و أعذبا
وسيما من الأطفال لولاه لم أخف _ على الشيب_ أن أنأى و أن أتغرّبا
تودّ النّجوم الزهر لو أنّها دمى ليختار منها المترفات و يلعبا
و عندي كنوز من حنان و رحمة نعيمي أن يغرى بهنّ و ينهبا
يجور و بعض الجور حلو محبّب و لم أر قبل الطفل ظلما محبّبا
و يغضب أحيانا و يرضى و حسبنا من الصفو أن يرضى علينا و يغضبا
و إن ناله سقم تمنّيت أنّني فداء له كنت السقيم المعذّبا
و يوجز فيما يشتهي و كأنّه بإيجازه دلاّ أعاد و أسهبا
يزفّ لنا الأعياد عيدا إذا خطا و عيدا إذا ناغى و عيدا إذا حبا
كزغب القطا لو أنّه راح صاديا
سكبت له عيني و قلبي ليشربا و أوثر أن يروى و يشبع ناعما
و أظمأ في النعمى عليه و أسغبا و ألثم في داج من الخطب ثغره
فأقطف منه كوكبا ثمّ كوكبا ينام على أشواف قلبي بمهده
حريرا من الوشي اليمانيّ مذهبا و أسدل أجفاني غطاء يظلّه
و ياليتها كانت أحنّ و أحدبا و حمّلني أن أقبل الضيم صابرا
و أرغب تحنانا عليه و أرهبا فأعطيت أهواء الخطوب أعنّتي
كما اقتدت فحلا معرق الزّهو مصعبا تأبّى طويلا أن يقاد .. و راضه
زمان فراخى من جماح و أصحبا تدلّهت بالإيثار كهلا و يافعا
فدلّلته جدّا و أرضيته أبا و تخفق في قلبي قلوب عديدة
لقد كان شعبا واحدا فتشعّبا ***
و يا ربّ من أجل الطفولة وحدها أفض بركات السلم شرقا و مغربا
و ردّ الأذى عن كلّ شعب و إن يكن كفورا و أحببه و إن كان مذنبا
و صن ضحكة الأطفال يا ربّ إنّها إذا غرّدت في موحش الرمل أعشبا
ملائك لا الجنّات أنجبن مثلهم و لا خلدها _ أستغفر الله _ أنجبا
و يا ربّ حبّب كلّ طفل فلا يرى و إن لجّ في الإعنات وجها مقطّبا
و هيّئ له في كلّ قلب صبابة و في كلّ لقيا مرحبا ثمّ مرحبا
و يا ربّ : إنّ القلب ملكك إن تشأ رددت محيل القلب ريّان مخصبا
***
و يا ربّ في ضيق الزّمان و عسره أرى الصّبر آفاقا أعزّ و أرحبا
صليب على غمز الخطوب و عسفها و لولا زغاليل القطا كنت أصلبا
و لي صاحب أعقيته من موّدتي و ما كان مجنون الغرور ليصحبا
غريبان لكنّي وفي و ما وفى و نازع حبل الودّ حتّى تقضّبا
و با ربّ هذي مهجتي و جراحها سيبقين إلاّ عنك سرّا محجّبا
فما عرفت إلاّ قبور أحبّتي و إلاّ لداتي في دجى الموت غيّبا
و ما لمت في سكب الدّموع فلم تكن خلقت دموع العين إلاّ لتسكبا
و لكنّ لي في صون دمعي مذهبا فمن شاء عاناه و من شاء نكّبا
***
و يا ربّ لأحزاني وضاء كأنّني سكبت عليهنّ الأصيل المذهّبا
ترصّد نجم الصبح منهنّ نظرة و أشرف من عليائه و ترقّبا
فأرخيت آلاف الستور كأنّني أمدّ على حال من النّور غيهبا
فغوّر نجم الصّبح يأسا و ما أرى على طهره _ حتّى بنانا مخضّبا
و قد تبهر الأحزان و هي سوافر و لكنّ أحلاهنّ حزن تنقّبا
***
و يا ربّ : درب الحياة سلكته و ما حدت عنه لو عرفت المغيّبا
و لي وطن أكبرته عن ملامة و أغليه أن يدعى _ على الذّنب مذنبا
و أغليه حتّى قذ فتحت جوانحي أدلّل فيهنّ الرّجاء المخيّبا
تنكّر لي عند المشيب _ و لا قلى _ فمن بعض نعماه الكهولة و الصبا
و من حقّه أن أحمل الجرح راضيا و من حقّه أن لا ألوم و أعتبا
و ما ضقت ذرعا بالمشيب فإنّني رأيت الضحى كالسّيف عريان أشيبا
يمزّق قلبي البعد عمّن أحبّهم و لكن رأيت الذلّ أخشن مركبا
و أستعطف التاريخ ضنّا بأمّتي ليمحو ما أجزى به لا ليكتبا
و يا ربّ : عزّ من أميّة لا انطوى و يا ربّ : نور وهّج الشرق لا خبا
و أعشق برق الشام إن كان ممطرا حنونا بسقياه و إن كان خلّبا
و أهوى الأديم السّمح ريّان مخصبا سنابله نشوى و أهواه مجدبا
مآرب لي في الرّبوتين و دمّر فمن شمّ عطرا شمّ لي فيه مأربا
***
سقى الله عند اللاذقيّة شاطئا مراحا لأحلامي و مغنى و ملعبا
و أرضى ذرى الطّود الأشمّ فطالما تحدّى و سامى كلّ نجم و أتعبا
و جاد ثرى الشهباء عطرا كأنّه على القبر من قلبي أريق و ذوّبا
و حيّا فلم يخطئ حماة غمامه وزفّ لحمص العيش ريّان طيّبا
و نضّر في حوران سهلا و شاهقا و باكر بالنّعمى غنّيا و متربا
و جلجل في أرض الجزيرة صيّب يزاحم في السّقيا و في الحسن صيّبا
سحائب من شرق و غرب يلمّها من الريح راع أهوج العنف مفضبا
له البرق سوط لا تندّ غمامة لتشرد إلاّ حزّ فيها و ألهبا
يؤلفها حينا و تطفر جفّلا و حاول لم يقنط إلى أن تغلّبا
أنخن على طول السماء و عرضها يزاحم منها المنكب الضخم منكبا
فلم أدر هل أمّ السماء قطيعه من الغيم أو أمّ الخباء المطنّبا
تبرّج للصحراء قبل انسكابه فلو كان للصحراء ريق تحلّبا
و تعذر طلّ الفجر لم يرو صاديا و لكنّه بلّ الرّمال و رطّبا
و يسكرها أن تشهد الغيم مقبلا و أن تتملاّه و أن تترقّبا
كأنّ طباع الغيد فيه فإن دنا قليلا . نأى حتّى لقد عزّ مطلبا
و يطمعها حتّى إذا جنّ شوقها إليه انثنى عن دربها و تجنّبا
تعدّ ليالي هجره و سجيّة بكلّ مشوق أن يعدّ و يحسبا
و يبده بالسقيا على غير موعد فما هي إلاّ لمحة وتصبّبا
كذلك لطف الله في كلّ محنة و إن حشد الدّهر القنوط و ألّبا
إلى أن جلاها كالكعاب تزيّنت لتحسد من أترابها أو لتخطبا
***
و مرّت على سمر الخيام غمامة تجرّ على صاد من الرّمل هيدبا
نطاف عذاب رشّها الغيم لؤلؤا وتبرا فما أغنى و أزهى و أعجبا
حبت كلّ ذي روح كريم عطائها فلم تنس آراما و لم تنس أذؤبا
و جنّت مهاة الرّمل حتّى لغازلت و جنّ حمام الأيك حتّى لشبّبا
و طاف الحمام السمح في البيد ناسكا إلى الله في سقيا الظماء تقرّبا
عواطل مرّ المزن فيهنّ صائغا ففضّض في تلك السّهول و ذهّبا
و ردّ الرّمال السمر خضرا و حاكها سماء و أغناها و رشّ و كوكبا
و ردّ ضروع الشاء بالدرّ حفّلا لترضع حملانا جياعا و تحلبا
و حرّك في البيد الحياة و سرّها فما هامد في البيد إلا توثّبا
و لا عب في حال من الرّمل ربربا و ضاحك في غال من الوشي ربربا
و جمّع ألوان الضياء و رشّها فأحمر ورديّا و أشقر أصهبا
و أخضر بين الأيك و البحر حائرا و أبيض بالوهج السماوي مشربا
و لونا من السّمراء صيغت فتونه بياضا نعم لكن بياضا تعرّبا
أتدري الرّبى أنّ السماوات سافرت لتشهد دنيانا فأغفلت على الربى
ألمّ بكفي النجوم و أنتقي مزرّرها في باقتي و المعصّبا
دياري و أهلي بارك الله فيهما و ردّ الرّياح الهوج أحنى من الصبا
و أقسم أنّي ما سألت بحبّها جزاء و لا أغليت جاها و منصبا
و لا كان قلبي منزل الحقد و الأذى فإنّي رأيت الحقد خزيان متعبا
***
تغرّب عن مخضلّة الدوح بلبل فشرّق في الدنيا وحيدا و غرّبا
و غمّس في العطر الإلهيّ جانحا و زفّ من النّور الإلهيّ موكبا
تحمّل جرحا داميا في فؤاده و غنّى على نأي فأشجى و أطربا

شقراء
 -----------------------------------
هدهد همومك عندي  على حيائي و صدّي
حور النعيم تمنّت نعمى هواي و وجدي
هل عندهنّ رحيقي و هل لديهنّ شهدي
يا ساكب الشعر خمرا من شعر ربّك خدّي
و من معانيه عطري و من قوافيه وردي
تأنّق الله دهرا يعيد فيّ و يبدي
حتّى جلاني شعرا يا حسرة الشعر بعدي!
خياله السمح نديّ ثغري و نمنم عقدي
و قلبه كان كأسي و جفنه كان مهدي
و الأنجم الزهر حولي دمى للهوى و عدّي
فغارت الحور منّي و كلّ زهو و مجد
و هبّ في روض عدن عليّ عاصف حقد
فكان لله حكم لشقوتي بل لسعدي
و اختار بعدي عنه و راح يبكي لبعدي
***
دنياي أحلى و أغلى من ألف جنّة خلد
أنّا الربيع المندّى قارورة العطر نهدي
يهيم حسني بحسني و يجتلي و يفدّي
و جنّ ثغري بريقي و حنّ جيدي لزندي
و كلّ وشي حرير يودّ لو لفّ قدّي
و كلّ عطر تشتهي أن أسفح العطر وحدي
شقراء تحلم شمس الـضحى بخدّي و بردي
رفّت خصيلات شعري بأشقر النور جعد
سكران تيه و دلّ .... مخمور وهج و وقد
يا شاكيا زور و عدي أحلى من الوصل و عدي
هيامنا يا حبيبي أريد حلما لسهدي
كلّ المحبّين ملكي و أنت وحدك نديّ
و كبرياء جمالي
تريد منك التحدّي
***
شقراء يا لون حسن محبّب مستبد
و يا جمالا غريبا على ظباء معدّ
لا وسم ليلاي فيه و لا ملامح هندي
و لا اسمرار الغريرات بالعقيق و نجد
ظمآن أنشد وردا و عند عينيك وردي
يا سكرة بعد صحوي و فتنة بعد رشدي
يا رغبة العين و القلب بعد يأس و زهد
بيني و بينك حرب و هول أخذ وردّ
صراع روحين فيه عنف العدوّ الألدّ
و غزو قلب لقلب فتح يبيد و يردي
فناء دنيا بدنيا و طيّ بند ببند
الحبّ لا حكم شورى لكنّه حكم فرد
فهيّئي فتنة الحسن كلّها و استعدّي

========================

طمع الأقوياء
 -----------------------------------
لا تلمه إذا أحبّ الشاما طابت الشام مربعا و مقاما
ما رأينا الشام إلاّ رأينا منزلا طيّبا و أهلا كراما
بردى و الورود في ضفّتيه مصغيات لشعره و الخزامى
هات حدّث عن الشام و حدّث وأطل في الحديث عنها الكلاما
عن رباها ، عن غيدها سارحات يتهادين في الحمى آراما
ما عرفت الغرام لولا رباها من ربى جلّق عرفت الغراما
من أغاني طيورها ساجعات قد تعلّمت هذه الأنغاما
أعطني في ربوع جلّق يوما يا خليلي و خذ من العمر عاما
و أعد ذكرها رحيقا مصفّى وأدره عليّ جاما فجاما
يا بني أمّ والحياة زحام ذلّ و الله من يخاف الزحاما
يابني أمّ هبّة بعد نوم كشف الصبح بالضياء الظلاما
نظرة للشعوب و هي تحيّي بالأهازيج فجرها البسّاما
أمم تكسر القيود و أخرى يرهف القين سيفها الصمصاما
طالبت بالحياة طعنا و ضربا بعد أن طالبت بها استرحاما
لا تظنّوا السلام في الأرض حيّا بعد أن طالبت بها إسترحاما
طمع لو أطاق – فاخشوا أذاه حبس النور عنكم و الغماما
ليش شعري و للسياسة دين يرسل النار حجّة و الحساما
أيعدّون قتل شعب حلالا و يعدّون قتل فردا حراما
عبثوا بالنظام بغيا و قالوا قد اتيناكم لنحمي النظاما
حطّموا المرهفات و هي رقاق ثمّ شاؤوا فحطّموا الأقلاما
يالشكوى تغصّ دجلة بالدمع حنانا و تحزن الأهراما
لو تلاها بأرض يثرب حاد أبكت الركن و الصفا و المقاما
***
أيّها الأقوياء لينا و عطفا أشعوبها ترعونها أم سواما
في رماد الضعيف نار فمهلا أن ظلم القويّ يذكي الضراما
أنا أخشى من الضعيف عليكم بعد حين تمرّدا و انتقاما
أنا أخشى من الضعيف عليكم ثورة تبعث الخطوب الجساما
ثورة تهدم القصور و تبني فوقها الكوخ عاليا و الخياما
ثورة تترك المتوّج عبدا و أخا الرّق سيدا قمقاما
شدّة البغي و الأذى علّمته كيف يغشى يوم الصدام الصداما
أرهقونا ما شئتم و اظلمونا و امنعونا حتى الكرى و الطعاما
و اسلبوا ما ترونه من حطام لكم وحدكم جمعنا الحطاما
و املأوا هذه السجون إلى أن تشتكي من ضيوفها الازدحاما
ثمّ سوموا السجود كبرا و تيها إذ تمرّون : شيخنا و الغلاما
و احكموا بالعسف حتّى كأنّا قد مثلنا أمامكم أنعاما
لا إخال الأرواح تكسر قيد الأسر إن لم تعذّبوا الأجساما
يفتك الظلم بالضعيف و يردى بعد حين بشؤمه الظلاّما

أهوى الشام
-----------------------------------
قف بالشام مسائلا آثارها مرحى لمن أمّ الشام و زارها
أهوى أزهارها . أحنّ لعهدها أشتاق بلبلها ، أحبّ هزارها
قضّيت أيّامي القصار بظلّها جادت مدامع مقلتيّ قصارها
أفدي مهفهفة القوام أسيرة تشكو القيود فمن يفكّ إسارها
غلّوا الأسود الصيد من أبطالها في الغوطتين و حجّبوا أقمارها
و كسوا مناكبها فلا أنجادها تركوا لقاطنها و لا أغوارها
***
هذي الشام فحيّ ليث عرينها يوم النزال لبابها مختارها
إن كان قد هجر الشام فإنّه أبكى الشام و هزّها و أثارها
حزنت قبور الفاتحين و أطلقت حمر الدموع و أرسلت مدرارها
و بكت غياض الغوطتين أما ترى أنّ المدامع بلّلت أزهارها
يا ابن الصناديد الألى قد عفّروا هام الملوك و نكّسوا جبّارها
ألموقدي نار الضيافة أرسلت مثل الجبال الراسيات شرارها
من كلّ وضّاح الجبين مغامر يغشى المعامع مستثيرا نارها
كأس المنيّة في فرند حسامه فإذا التقت حلق البطان أدارها
قد أرقلت بك في الخضمّ مطيّة هوجاء ما نكث الخضمّ مغارها
ظمأى تسير على الخضمّ مجرجرا سير الذلول و لا تبلّ أوارها
فإذا بلغت الغرب و هو ممالك بالسيف تمنع مجدها و ذمارها
رفعت على حدّ السيوف عروشها و بنت بأشلاء الضعاف ديارها
قل إن جلست مخاطبا طاغوتها و محاورا في بغيه جزّارها
ما للشام نسيتم ميثاقها و خفرتم بعد العهود جوارها
قرّبتم للطيّبات عبيدها و حرمتم حتّى الكرى أحرارها
عزّ العزاء فكفكفوا عبراتها و خلا النديّ فأطلقوا أطيارها
***
لا تكذب الأمم القويّة ، إنّها باسم الحضارة ثقّفت خطّارها
و لتهنأ الأمم القوية . إنّها قد أدركت ممّن تخادع ثارها
قالت : لقد بلّغتكم أوطاركم و هي التي بلغت بنا أوطارها
يا عصبة الصيد الغطاريف الألى حفظوا الجدود و خلدوا آثارها
هذي سيوف الفاتحين من البلى قذ صنتم أجفانها و شفارها
جدّدتم عهد الحفاظ لأمّة الله طهّر خيمها و نجارها
ارجعتم صور العروبة غضّة فكأنكم ارجعتم إعصارها
و بعثتم أمم الجزيرة بعدما طويت و حلل فذكم أطوارها
أنطقتم الصّور الجماد فخبّرت عن شأنها و رويتم أخبارها
و سللتم صمصامها من غمده متألّقا و جلوتم دينارها
و رفعتم ركن القضية عاليا بجهادكم و كشفتم أسرارها
***
مرحى لناشئة الشام و مرحبا بالنشء إن عثرت أقال عثارها
ألناهضين ليمنعوا ميراثها و يجدّدوا علياءها و فخارها
هذي الرّبوع سررتم غيّابها بجهادكم و حرستم حضّارها
أسهرتم جفن العدوّ و رحتم ندمان كلّ فضيلة سمّارها
أرجعتم صور العروبة غضّة فكأنّكم أرجعتم عصارها
و رفعتم ركن القضيّة عاليا بجهادكم و كشفتم أسرارها
و أرى العدوّ دعاكم أغرارها أفدي الذين دعاهم أغرارها
لا تفنطوا فلقد غرستم جنّة تجني أكفّكم إذا أثمارها
و خذوا شعاركم القلى لعصابة تخذت مولاة الغريب شعارها
نسيت عروبتها و لم تعشق بها مئناف جنّات الحمى معطارها
أغفت على أعذارها ، فتريّثوا ألله ليس بقابل أعذارها
حسب العروبة أنّكم لبّيتم يوم النداء و كنتم أنصارها
بردى أدار عليكم صهباء و جلت عرائسه لكم نوّارها
و اخجلتي للناكرين جميلها و الثالمين مع العدوّ غررها
عقّوا البنين و ما سمعت بناقة وطئت على مهد الصعيد حوارها

فترقبوا الغارات من أيتامها
 -----------------------------------
خلّوا الشام و داميات كلاهما لا تهتكوا الأستار عن آلامها
عربيّة الأنساب تطرب للوغى في جاهليّتها و في إسلامها
فإذا أراد زمامها ذو قّوّة شمست على الباغي بفضل زمامها
عطفت عليه بالسّيوف كأنّها من حزمها صيغت و من إقدامها
السمر حول قبابها مركوزة و البيض لامعة بظلّ خيامها
و لقد أراد بها القويّ تحكّما فتنمّرت أنفا على حكّامها
إن صدّها ذو التاج عن حاجاتها سألته حاجتها بحدّ حسامها
ألغارة الشعواء عيد كماتها و دم اللطّلى المشبوب كأس مدامها
ورأيتها ظمأى الجوانح للعلى فعلى الدم المهراق بلّ أوامها
الروض محتاج لقطر دمائها يوم الحميّة لا لقطر غمامها
و الحق تبلغه ببأس حماتها لا باستكانتها و لا استرحامها
البأس كلّ البأس كالأشجّ فباهها أو كالأعزّ الوائليّ فسامها
يا ابن الشام و ما نظمت قصائدي إلاّ لهزّ عراقها و شامها
تشدو الحمائم في الشّام و إنّما أنغام هذا الشعر من أنغامها
الحرّ يؤسر و الحمائم حرّة يا ليت لي في الشام حظّ حمامها
أليوم معركة الحياة فما الذي أعددت من عدد ليوم صدامها
من ليس يمنع حقّه في حربها هيهات يمنع حقّه بسلامها
و إذا تنكّبت الزحام ففترة و تخرّ منجدلا غداة زحامها
للأقوياء شريعة مكتوبة بالسيف شيب حلالها بحرامها
أمنّول الأمم الضعيفة حقّها و مديلها القهّار من ظلاّمها
فصل الخطاب دنا فأيّد أمّة لم تبغ إلاّ حقّها بقيامها
و اسمح لنصرك أن يرفرف فوقها و يطاول الجوزاء في أعلامها
يا ربّ علّمها المسير إلى الردى بسبيل عزّتها و نيل مرامها
هذي دماء كرامها مطلولة فاقبل ضحيّتها دماء كرامها
لا ترتجي إلاّ حياة حرّة يا ربّ ، أجر صلاتها و صيامها
إن لم ترجّ الفوز قبل حمامها فاسمح به يا ربّ بعد حمامها
فتراه بعد الموت في أرواحها إن لم تكن شهدنه في أجسامها
***
هيهات تنخذل الشام و قد بدا أثر القراع على شبا صمصامها
ووراء حقّ الغوطتين عصابة آساد غابتها شموس ظلامها
ألباذلون دماءهم يوم الوغى و الثائرون بها على أخصامها
ما للذئاب مدلّة في حيّها أو لا تخاف الشرّ من ضرغامها
النار خامدة اللهيب فحاذروا يا ظالمي قحطان من إضرامها
إن تقتلوا آباءها بسيوفكم قترقّبوا الغارات من أيتامها
=============


غــــــــــــــربــــــة الــــــــــــــــــــــــــرّو
أترعـي الـكـأس أدمـعـا و   رحيـقـا        حـقّ بـعـض الهـمـوم أن لا   نفيـقـا
سلـم الجمـر لـي و عــاش    بقلـبـي        أريـحـيّ اللّهـيـب عـذبـا    أنـيـقـا
يـا شـامـي يــا قبـلـة الله   للدنـيـا        و يــا راحـهـا المصـفّـى   العتيـقـا
أتـرع الكـأس مـن هــواك   لـتـروى        كـبـدي مــن هــواك لا   لـتـذوقـا
مزّقيـهـا تغـمـرك طيـبـا و   نــورا        لا تمـلّـي الـطـيـوب و   التمـزيـقـا
لملـم الفجـر ذكرياتـي دمــا   سكـبـا        و مجـدا غـمـرا و عـهـدا و    ثيـقـا
لملـم الفجـر ذكرياتـي فـمـا    لمـلـم        إلاّ أقــاحــيــا و شـقــيــقــا
كبريائـي فــوق النـجـوم و لـولاهـا        لـمـا كـنـت بالـنـجـوم    خلـيـقـا
جلّ شعـري – أقيـه الـرّوح مـن   كـلّ        هـوان – و الشعـر كالعـرض   يـوقـى
مـا شكـوت العـدو كـبـرا و   لكـنّـي        شـكــوت الـمـبـرّأ    الـمـوثـوقـا
و أخـا لـي سقيـتـه الــودّ   صـرفـا        فسـقـانـي مـــن ودّه    المـمـذوقـا
طبعـي الحـبّ و الحنـان فمـا   أعـرف        للمـجـد غـيـر حـبّــي   طـريـقـا
و كنـوزي – و ليـس تحرسهـا    الجـنّ        تـنـادي الـمـحـروم و   الـمـرزوقـا
لـم يضـق بالعـدوّ حلمـي و  غفرانـي        و أفـــدي بمقـلـتـي   الـصـديـقـا
لا أريـــد الإنـســان إلاّ رحـيـمـا        باخـتـلاف الـهــوى و إلاّ شفـيـقـا

***

لـي قبـور كـنـزت فيـهـا   شبـابـي        و صبوحـي علـى المنـى و    الغبـوقـا
يـا قبـور الـلـدات : كــل   شقـيـق        حاضـن فـي الثـرى أخـاه    الشقيـقـا
وسـعـت هــذه القـبـور   فـــؤادي        كيف تشكو – و هي في السماوات – ضيقا
كيـف لا تنبـت الرّياحيـن و    الـشـوق        و قلـبـي عـلـى ثـراهـا    أريـقــا
مقلتـي يستحـمّ فـي دمعهـا  الطـيـف        و تحـنـو فــلا يـمـوت   غـريـقـا
ينزل الجرح مـن فـؤادي علـى   الحـبّ        و يـلـقـى التـدلـيـل و   التشـويـقـا

***

شامـة الفتـح نـام ( فارسـك)   النـجـد        و حـــقّ الـوفــاء أن    يستفـيـقـا
سـبـقـتـه أحـبـابــه   للـمـنـايـا        فـرحـمـت المـجـلّـى  المسـبـوقـا
و نعـم عـدت ( للعقـيـق ) و    لـكـن        فـارق الأهـل و الـلـدات (العقيـقـا   )
أنـا كالطّيـر ألـف صـحـراء   لفّـتـه        مهـيـض الجـنـاح شـلـوا    مزيـقـا
مات أيكي و مـات وردي فـلا    تعجيـل        أعـنــى بــــه و لا    تـعـويـقـا
غربتـي قـد سئمـت غربـة   روحــي        و ملـلـت التّـغـريـب و   التّشـريـقـا
غربتي غربتـي علـى النّـأي و   القـرب        أرانــي إلــى دجـاهــا   مـسـوقـا
حدت عنهـا غربـا و شرقـا و   طوّفـت        فـمـا اجـتـزت سهمـهـا   المرشـقـا

***

(فــارس) المـجـد لــم   تـزغــرد        عذارى المجد إلاّ انتخى و كان و   السّبوقـا
و لــه الطّـرفـة المليـحـة    تغـنـي        عـن نـقـاش و تسـكـت    المنطيـقـا
و بيـان تخـالـه الـوشـي و   الأطـيـا        ب شـتّــى و الـلـؤلـؤ    النـسـوقـا
فيـه عمـق البحـار تـزخـر    بـالـدرّ        و فـيــه مـتــارف  المـوسـيـقـا
و ضميـر يكـاد يسـرف فـي    الحـسّ        فيـجـزي حـتّـى الخـفـيّ    الدّقيـقـا
عالـم يسكـب العذوبـة فــي    العـلـم        فتـسـتـاف عـنـبـرا   مـسـحـوقـا
يـا لنسـر تقـحّـم الشـمـس    حـتّـى        مــلّ عــزّ الشـمـوس و   النحليـقـا
حـقّ عبئيـن مـن سنـيـن و    مـجـد        أن يكـفّـا مــن شــأوه و يـعـوقـا
يـهـرم النـسـر فالطـريـق    عـثـار        ذكريـات الصبـا زحـمـن    الطريـقـا
عـبّ منهـا النسـر الحبيـس    فـردّتـه        لدنـيـا الشـمـوس حــرّا    طلـيـقـا
غـمـرت قلـبـه حنيـنـا و   أشـواقـا        و يـمـنـاه لــؤلــؤا و   عـقـيـقـا
عالـم الذكـريـات نمنـمـه    الخـالـق        حــتّــى يــدلّــل  المـخـلـوقـا
هــو مــن أريحـيّـة الله   ماشـئـنـا        رحيـقـا صـفـوا و مسـكـا    فتيـتـا

***

حـال بينـي و بـيـن لقـيـاك   دهــر        سامـنـي عبـئـه فكـنـت    المطيـقـا
أنزلتـنـي عـلـى فــروق    رزايــاه        فحـيّـا عـطـر السـمـاء  (فـروقـا)
ضـاق لبنـان بـي و كــان   رحيـبـا        و تـنـزّى حـقـدا و كــان    رفيـقـا
مـا للبنـان رحــت أسقـيـه   حـبّـي        و سـقـانـي مـــرارة و   عـقـوقـا
أنــا أغليـتـه بلـؤلـؤ    أشـعــاري        و طـوّقــت جـيــده    تـطـويـقـا
و زرعـت النّجـوم فـي ليـل  لبـنـان        فــرفّ الـدّجـى نـديّـا و    ريـقــا
دلهتنـي (سـمـراء لبـنـان )   أطيـابـا        و قـــدّا مهـفـهـفـا   مـمـشـوقـا
و جـمــالا غـالــى بزيـنـتـه  الله        و ثـنّــى و ثــلّــث   التـدقـيـقـا
و عفـافـا ذاد الـشـفـاه و    خـلــىّ        للعـيـون الـسّــلاف و    التّحـديـقـا
جـنّ قلـب الدّجـى بأهدابهـا    الوطـف        فأغـنـى جفـنـا و كـحـلّ   مـوقــا

***

قــد أرادوا لبـنـان سفـحـا    ذلـيـلا        و أردنـــاه شـامـخـا مـرمـوقــا
و حـمـدت الجـلـىّ بلبـنـان   لـمّــا        كشـفـت لــي اليقـيـن و    التلفيـقـا
إن عتبـنـا عـلــى الكـنـانـة   إدلالا        فـقـد يعـتـب الصّـديـق  الصّديـقـا
و هبتـنـا فرعـونـهـا و   وهبـنـاهـا        عـلـى العـسـر يـوسـف   الصدّيـقـا
كـيـف يـشـري العبـيـد   كـافــور        بالمـال و كافـور كـان عبـدا   رقيـقـا
أرز لبـنـان لــن يـكـون  لكـافـور        مـتـاعـا و لـلأرقّــاء    ســوقــا

***

يـا قبـور فــي الـشـام ربّ قـبـور        أنزلتـهـا الـنـوى مكـانـا سحـيـقـا
موحشـات : إلاّ عزيـفـا مــن   الــج        نّ يـــرجّ الـدّجــى و إلاّ   نعـيـقـا
هائمـات كالـنـور طــارت   صبـابـا        تـي إليهـا فمـا استطـعـن    اللحـوقـا
غرّبتـنـا العـلـى قـبـورا و   أحـيـاء        و عـاثــت بشمـلـنـا    تـفـريـقـا
و اغتـراب القبـور مـن حـيـل الــم        وت ليخـفـى كـنــوزه و   العـلـوقـا
تسمـع الرّيـح حيـن تصغـي    حنيـنـا        مـن فـؤادي علـى الثـرى و   شهيـقـا
مـا لقومـي غــال الحـمـام   فريـقـا        منـهـم و العـقـوق غــال    فريـقـا
ظـلـم الـكـنـز أهـلــه   فتـمـنّـى        أن يـكــون الـمـبـدّد   المـسـروقـا
فارقـونـي معطّـريـن مــن   الفـتـح        و خـلّـوا لــي الأســى و   الشهيـقـا
أظمأتنـي وجوهـهـم حـيـن   غـابـت        فـأردت الـذكـرى سـلافـا و   ريـقـا
عهـدهـا بالخـلـوق عـهـد   قـديــم        ألـفـت غــرّة المجـلّـى   الخـلـوقـا

***

يـا لـدات الفتـوح ، نسقـي    منايـانـا        و يسقـيـنـا الـهــوى    تـرنـيـقـا
بينـنـا صحـبـة الاّبــاء و  عـــزّ        أمـــويّ يــطــاول    الـعـيّـوقـا
و كفـاح كعصـف ضـجّ فـي   الدّنـيـا        رعـــودا هـــدّارة و    بــروقــا
و المـروءات كالغرائـر فـي   الـرّيـف        مـــلاح لا تـعــرف الـتـزويـقـا
و عـقـود مــن السنـيـن   نظمنـاهـا        سـجـونـا و كـبـريـاء و   ضـيـقـا
نحـن كنّـا الزلـزال نعصـف   بالشـرق        نــرجّ الشـعـوب حـتّـى    تفـيـقـا
فابتدعنـا مـن ألـرؤى واقـع    الـحـقّ        و مــن غـمـرة الـظـلام    البريـقـا
نقحـم الغامـض الأشـمّ مـن    المـجـد        و نـأبــى المـمـهّـد    المـطـروقـا
نحـن عطـر السجـون عطـر    المنايـا        نحـمـل الـجـرح مطمئـنـا   عميـقـا
نحـن كالشمـس جرحهـا وهّـج   الدّنيـا        غـروبــا مـنــوّرا و   شــروقــا
نحن و الشـام و الفتوحـات و  الأحـزان        دنــيــا تـزيّـنــت    لـتـروقــا
مـا درى الشـرق قبلنـا سكـرة    الحـقّ        و لا خـمـرهــا و لا    الــراووقــا
نحـن عـشـق للغوطتـيـن بــراه   الله        حــتّــى يــؤلّــه   المـعـشـوقـا
نحن في الكأس نغمة ، نحـن فـي    الـن        غمـة صهبـاء : صفّـقـت    تصفيـقـا
خمـرة النّـور خمـرة الثـأر و الإيمـان        طـابـت بــردا و طـابـت   حريـقـا
يـعـرف الـحـقّ قيـمـة الـجـوهـر        الفـرد و يغـلـى جـديـده و   العتيـقـا
يعـذر الحـرّ حيـن لا يخطـئ الـعـزم        و إن كـــان اخـطــأ   التـوفـيـقـا
يـا رئيسـي مـن أربعيـن    زحمنـاهـا        إبــاء مـــرّا و بـأســا حنـيـقـا
أنـت نشّأتنـي علـى الصبـر و الـعـزّ        كـمـا تـلاهـف الحـسـام   الذلـيـقـا
مننتدى الشام و الـوزارة ضماّنـا   عريقـا        يــفــي هــــواه    عـريــقــا
و هـمـوم كأنّـهـن الأمـانـيّ    جــم        الا و نــشـــوة و    ســمــوقــا
مترفـات ترعـرعـت فــي   فؤاديـنـا        و طـابــت شـمـائـلا و عـروقــا
يـرد الخطـب مـنـك قلـبـا   سـريّـا        و بيـانـا عـفّـا و وجـهـا   طلـيـقـا
مـن يعـلّ الـنـديّ بـعـدك    بالـشـه        د المصفّـى و مــن يـسـدّ    الفتـوقـا
هـدرت بالـنـديّ خطبـتـك   الشـمّـاء        و الـريــق لا يـبــلّ   الـحـلـوقـا
أنكرتـك الحيـاة بالشـيـب و    الـسـق        م فـهــيّء لـلـفـارك   التطـلـيـقـا
حمـل المـوت مـن لـداتـك    شـوقـا        يستحـثّ الخـطـى و عتـبـا  رقيـقـا
و كتـابـا مــن الـهـوى    نـمّـوقـه        فـأجــادوا الـبـيـان و التنـمـيـقـا
و طيوفـا تبرّجـت لـكـرى    جفنـيـك        حـتّـى يـرضـى و حـتّـى   تلـيـقـا

***

غيّـب القبـر مـنـك شـمّـاء   مـجـد        وعــرة تـزحـم النـجـوم  سحـوقـا
يتلقّـاك (هاشـم) فـي ربــى   عــدن        و يستقـبـل الـمـشـوق    المـشـوقـا
حـيّ عنّـي سـعـدا و قـبّـل   محـيّـا        كالضحـى بـاهـر السـنـى   مرمـوقـا
و أبــا أسـعـد سقـتـه    دمـوعــي        و سليـمـان ( و النّـديـم )   الصّـدوقـا
و اسق (قدري) و (عـادلا) و    (جميـلا)        مـن حنينـي طيـب الهـوى و   الرّحيقـا
و اشـك حزنـي (لمظهـر) و   (نجيـب)        راع دهـــر أخـاكـمـا  فـأفـيـقـا
لـي حقـوق علـى القـبـور الغـوالـي        و يـوفّـى قـبـر الكـريـم   الحقـوقـا




ليست هناك تعليقات: