السبت، فبراير 04، 2012

مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا





روى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله في كتاب الشركة من صحيحه: 
 ( باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه ) من حديث النُّعْمَانَ بْنَ 
 بَشِيرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ 
 عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ 
 وَالْوَاقِعِ فِيهَا ،كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ ، 
 فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا ،فَكَانَ 
 الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ ،مَرُّوا 
 عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ ،فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا 
 خَرْقًا ،وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا،فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا 
 أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا،وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا 
 وَنَجَوْا جَمِيعًا ). 


شرح إجمالي للحديث 

 هذا مثل عظيم يُشبه فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حال الناس وموقفهم مما 
 يكون في المجتمع من منكرات بحال قوم ركبوا سفينة فاقتسموا أماكنهم فيها 
 بطريق القرعة ،فكان من نصيب بعضهم الجزء الأعلى من السفينة ،وكان من نصيب 
 الآخرين الجزء الأسفل منها ، وكان لابد لأهل السفل من الماء فكانوا 
 يصعدون لأعلى السفينة ليستقوا الماء ،ولما كان ممرهم على أهل العلو فقد 
 تأذوا بهم ؛إذ ربما أصابهم شيء من رشاش الماء أو أُقلقوا وقت راحتهم أو 
 غير ذلك ، فلما رأى أهل السفل تأذي أهل العلو بهم عزموا على أن ينقبوا في 
 نصيبهم نقباً يحصلون منه على الماء دون الحاجة إلى إيذاء من فوقهم ،ولم 
 يدر هؤلاء أن هذا الخرق الصغير سيؤدي إن تُرك إلى هلاك الجميع ويكون معنى 
 (أصغر خرق) هو -كما قال مصطفى صادق الرافعي - أوسع قبر.[ وحي القلم:3/8] 
 ويبين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن الأمر لا يخلو حينئذ من إحدى 
 نتيجتين: إما أن يقوم أهل العلو بواجبهم في منع هذه الكارثة فينجو 
 الجميع ،وإما أن يتركوهم وشأنهم بدعوى أن هذا نصيبهم يفعلون فيه ما 
 يشاءون وحينئذ تكون النتيجة الحتمية هي هلاك الجميع. 
 والحديث الشريف يبين أنه هكذا تكون حال الناس في المجتمع فإنه لا يخلو 
 مجتمع من بعض صور المنكر والفساد التي يقدم عليها ضعاف الإيمان ،وقد 
 يلتمس بعضهم لنفسه مبرراً في ما يفعل كأن يقول هذه حرية شخصية ،وأنا حر 
 أصنع في ملكي ما أشاء ،فإن قام أهل الرشد بواجبهم في إنكار هذه المنكرات 
 والأخذ على أيدي الظالمين صلح المجتمع ونجا الجميع من غضب الله عز وجل ، 
 وأما إن تقاعسوا عن هذا الواجب وغلبت كلمة المداهنين فإن العقوبة الإلهية 
 تعم الجميع ،وتلك سنة إلهية لا تتغير؛قال الحافظ: (( وهكذا إقامة الحدود 
 يحصل بها النجاة لمن أقامها وأقيمت عليه ،وإلا هلك العاصي بالمعصية 
 والساكت بالرضا بها )) [ فتح الباري :5/296]،ومصداق ذلك قوله تعالى : 
 ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) [ الأنفال :25] ، وقوله 
 صلى الله عليه وسلم :( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه 
 أوشك أن يعمهم الله بعقاب ) 


 معاني المفردات 


 المثَل والِمْثل والمثيل : واحد ومعناه الشبيه . 
 حدود الله : المراد بالحدود هنا ما نهى الله عنه ،وأصل الحد في اللغة 
 المنع والفصل بين الشيئين ،ومنه حد الدار وهو ما يمنع الغير من الدخول 
 فيها، والحداد الحاجب والبواب. 
 المدهن : من الإدهان وهو المصانعة والمحاباة في غير حق ، ومنه قوله عز 
 وجل : ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) [القلم :9] . 
 استهموا : اقترعوا ،والسهم في الأصل واحد السهام التي يضرب بها في الميسر 
 وهي القداح ،ثم أطلق على ما يأخذه الفائز في الميسر ، ثم كثر حتى سمي كل 
 نصيب سهماً. 
 خرقنا في نصيبنا خرقاً: الخرق هو الشق أو الثقب. 
 ينقر : من النقر وهو الحفر سواء كان في الخشب أوالحجر أو نحوهما، ونقر 
 الطائر الشيء ثقبه بالمنقار. 
 أخذوا على أيديهم : أي منعوهم 


 نظرات بلاغية 


 أولاً :المعاني 

 الأسلوب في هذا الحديث أسلوب خبري يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فيه 
 بحال الناس ،ويشبههم براكبي سفينة ،غير أن هذا الأسلوب الخبري قد خرج على 
 خلاف مقتضى الظاهر ،فليس المراد من الخبر هنا مجرد إفادة السامع بالخبر، 
 ولا إفادته أن المتكلم عالم بالخبر،وإنما الغرض منه الحث وتحريك الهمة 
 نحو القيام بواجب الأمر والنهي. 


 ثانياً :البديع 

 في الحديث من المحسنات المعنوية :الطباق في جمعه بين (القائم )و(الواقع) ، 
 وبين:(أعلاها) و(أسفلها) ،وبين:(هلكوا )و(نجوا). 
 والطباق هنا من نوع طباق الإيجاب،وهو الذي يُعرِّفه البلاغيون بأنه ما 
 جُمع فيه بين الشيء وضده ؛فالقائم ضد الواقع ،والأعلى ضد الأسفل ،والهلكة 
 ضد النجاة. 
 وليس من شك في أن هذا الطباق قد أبرز المعنى وزاده وضوحاً ،فإن الضد -كما 
 يقولون –يُظهر حسنَه الضد،ويزيد من حسنه أنه أتى في كلامه صلى الله عليه 
 وسلم عفواً لا يحس المرء فيه شيئاً من التكلف المذموم ،فإنَّ تكلف 
 المحسنات البديعية وتعمدها مما يفقد الكلام سلاسته ويحبس المعاني 
 والأفكار. 


 ثالثاً: البيان 

 اشتمل الحديث من الصور البيانية على ما يلي : 
 1-الاستعارة في قوله: (القائم على حدود الله ) ،وهي استعارة مكنية ،شبهت 
 فيها المعاصي بوهدة من الأرض محدودة بحدود وحولها رجال يحرسونها،ويمنعون 
 الناس من الوقوع فيها ،ثم حذف المشبه به وأتى بلازمة من لوازمه وهي 
 الحدود. 
 ونفس الشيء يقال في قوله :(الواقع فيها). 
 وهذا تعبير يوحي بمدى الهوة السحيقة التي يهوي إليها أصحاب المنكر 
 المخالفين لأمر الله ،ومدى خطورة الواجب الملقى على عاتق المصلحين في 
 الأمة فهم حراس الفضيلة القائمون على حدود بئر الرذيلة ،مانعين الناس من 
 التساقط فيها. 
 2- الكناية في قوله صلى الله عليه وسلم :( أخذوا على أيديهم ) ، فإن 
 الأخذ على اليد كناية عن استعمال الشدة والقوة ،والتعبير بعلى يفيد 
 الاستعلاء والفوقية ،كما ذكر الحافظ ابن حجر في حديث: (انصر أخاك ظالماً 
 أو مظلوماً )(10)، حيث قال: (( قوله (تأخذ فوق يديه) كنى به عن كفه عن 
 الظلم بالفعل إن لم يكف بالقول ،وعبر بالفوقية إشارة إلى الأخذ 
 بالاستعلاء والقوة ))(11). 
 3-التشبيه التمثيلي في قوله :( مثل القائم على حدود الله ...) إلخ ،وهو 
 تشبيه معقول بمحسوس ؛شبهت فيه الهيئة الحاصلة من قيام المسلمين بواجبهم 
 في تغيير المنكر بالهيئة الحاصلة من قيام أهل السفينة بمنع من يريد خرقها 
 من الإقدام على ما يريد ،كما شبهت الهيئة الحاصلة من التقاعس عن تغيير 
 المنكر بحال أهل السفينة إن تركوا من يريد خرقها يفعل ما يشاء. 
 ووجه الشبه هنا صورة منتزعة من متعدد؛وهي منتزعة في الحالة الأولى من 
 هيئة النجاة المترتبة على قيام قوم بما يجب عليهم،وفي الحالة الثانية من 
 هيئة الهلاك الناجم عن تقصيرهم في ما يجب عليهم؛فكما أن أهل السفينة 
 سينجون إن أخذوا على يد من يريد خرقها، فإن النجاة ستكون مصير الجميع في 
 مجتمع يأخذ أهله على يد العابثين ،وكما أن الغرق سيكون مصير أهل السفينة 
 إن تركوا مريد الخرق يفعل ما يريد فإن مجتمع المداهنين الساكتين عن أهل 
 المنكر سيؤول إلى هلاك محتم. 
 ومن أجل هذا قلنا إن هذا التشبيه هو من نوع تشبيه التمثيل ،وذلك جرياً 
 على اصطلاح جمهور البلاغيين الذين يرون أن التشبيه التمثيلي ما كان وجه 
 الشبه فيه منتزعاً من متعدد(12). 


 مظاهر البلاغة النبوية في هذا التشبيه 

 نظراً لأن التشبيه هو عمدة البلاغة في هذا الحديث الشريف فقد رأيت أن 
 أخصه بشيء من التفصيل أبدأ فيه ببيان أهمية المثل وقيمته البلاغية بصفة 
 عامة ،ثم أشير إلى القيمة الجمالية لهذا المثل النبوي الشريف ،وما فيه من 
 ملامح بلاغة أبلغ البلغاء صلى الله عليه وسلم. 
 أ- القيمة الجمالية للمثل بصفة عامة : 
 إن المثل بما فيه من مسحة جمالية يمتع نفوس السامعين ويدفع عنها السآمة 
 والملل ،ولا شك أن ذلك أدعى إلى قبول ما يلقيه المتكلم والتأثر به ؛ 
 فالنفس البشرية مفطورة على حب الجمال والميل إليه،والمثل (( يمتاز بخلا 
 بته ورشاقة موقعه في النفس وطرافته التي تتجدد ولا تبلى مما ترى أثره 
 يبرق في وجوه السامعين ونظراتهم وثغورهم ... قال ابن المقفع : إذا جعل 
 الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق وآنق للسمع وأوسع لشعوب الحديث ،وقال 
 إبراهيم النظام: يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام :إيجاز 
 اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه وجودة الكناية ))(13). 
 وقال عبد القاهر الجرجاني :(( واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل 
 إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه ونقلت عن صورها 
 الأصلية إلى صورته كساها أبهة ،وكسبها منقبة ،ورفع من أقدارها ،وشب من 
 نارها ،وضاعف قواها في تحريك النفوس لها ،ودعا القلوب إليها ،واستثار لها 
 من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفاً ،وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفاً، 
 فإن كان مدحاً كان أبهى وأفخم وأنبل في النفوس وأعظم ... ،وإن كان ذماً 
 كان مسه أوجع ،وميسمه ألذع ووقعه أشد وحده أحد، وإن كان حجاجاً كان 
 برهانه أنور وسلطانه أقهر وبيانه أبهر ... ،وإن كان اعتذاراً كان إلى 
 القبول أقرب ،وللقلوب أخلب ،وللسخائم أسل ...،وإن كان وعظاً كان أشفى 
 للصدر ،وأدعى إلى لفكر ،وأبلغ في التنبيه والزجر،وأجدر بأن يجلي الغيابة 
 ويبصر الغاية ويبريء العليل ويشفي الغليل ))(14). 
 وإنما كان الأمر كذلك لأن أنس النفوس موقوف كما يقول الجرجاني : (( على 
 أن تخرجها من خفي إلى جلي ،وتأتيها بتصريح بعد مكني ،وأن تردها في الشيء 
 تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم ،وثقتها به في المعرفة أحكم ،نحو 
 أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس ،وعما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار 
 والطبع ؛لأن العلم المستفاد من طرق الحواس أو المركوز فيها من جهة الطبع 
 وعلى حد الضرورة يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام ، 
 وبلوغ الثقة فيه غاية التمام ،كما قالوا : ( ليس الخبر كالمعاينة ولا 
 الظن كاليقين ) ،فلهذا يحصل بهذا العلم هذا الأنس أعني الأنس من جهة 
 الاستحكام والقوة ،وضرب آخر من الأنس وهو ما يوجبه تقدم الألف كما قيل : 
 ما القلب إلا للحبيب الأول ))(15). 
 وفي أدبنا المعاصر استعمل شوقي طريقة الأمثلة القصصية في شعره ،فكان يكتب 
 للأطفال الحكايات على ألسنة الحيوانات والطيور ولما سئل عن سبب ذلك قال : 
 (( لأن الأمثلة وحدها بدون حكاية عبارة جافة سرعان ما تنسى ،كما أنها لا 
 تثير الاهتمام ،أما الحكاية فهي تستثير اهتمام الطفل لمتابعة حوادثها حتى 
 النهاية ،وبالتالي لفهم العظة الأخلاقية التي هي هدف القصيدة ويقتنع 
 بها ))(16). 
 وفي المثل كما يقول التربويون شحذ لذهن المتلقي واسترضاء لذكائه ،ودفع له 
 إلى التأمل والتفكير في ما بين المشبه والمشبه به من أوجه الشبه ،وفيه 
 تعويد له على التفكير السليم بربط الأسباب بمسبباتها والنتائج بمقدماتها. 
 ومن أجل هذه الفوائد وغيرها كان من نهج القرآن الكريم في الدعوة ضرب 
 الأمثلة إرشاداً وتوجيهاً إلى الحق حتى بلغت أمثلة القرآن بضعة وأربعين 
 مثلاً كلها في بيان الحق والحث على الخير والزجر عن الباطل . 
 وكذلك كان الداعية الأول صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يضرب الأمثال 
 ويشبه الشيء بالشيء ترغيباً وترهيباً ودعوة إلى الله سبحانه ،ومن ذلك هذا 
 المثل الذي بين أيدينا. 
 ب- القيمة الجمالية لهذا المثل النبوي : 
 لقد زاد هذا التشبيه المعنى المراد وضوحاً وجمالاً ؛إذ إنه شبه الأمر 
 المعقول وهو حال الناس في المجتمعات بأمر محسوس وهو حال قوم ركبوا سفينة 
 على الطريقة التي وصفهم بها الحديث الشريف وهو حال (( من الجلاء والبديهة 
 العقلية والمسلمة الفطرية ما ما يجعله بعيداً عن الجدال ،أو التوقف فيه ، 
 وهذا ما يجعل إقامته مقام المشبه به –حال الدنيا ومن فيها- علائق 
 ومسؤولية ،حقاً وواجباً أمراً يستوجب التسليم المطلق بأن حكم العقل على 
 حال الدنيا ومن فيها حكم السفينة وأهلها :علائق ومسؤولية وحقاً وواجباً 
 وأن التوقف في ذلك خطيئة عملية تقذف بصاحبها خارج أفق الإنسانية ،فإذا 
 بالرسول صلى الله عليه وسلم ... قد أقام الحجة على كل ذي عقل أن صلاح 
 المرء في نفسه غير كاف ،بل فريضة عليه أن يكون صالحاً وأن يكون مصلحاً ما 
 حوله )).[فقه تغيير المنكر للدكتور محمود توفيق محمد سعد ص: 44-45،سلسلة 
 كتاب الأمة]. 
 ثم إن الحديث لم يكتفِ بإعطاء السامع تشبيهاً مجرداً ،ولكنه جاء به في 
 قالب أقرب ما يكون إلى هيئة القصة التمثيلية،وإن الناظر إلى هذا المثل 
 يجده مليئاً بالحركة والحيوية والمشاهد المتتابعة ؛فهاهم القوم مقبلون 
 على ركوب سفينتهم ،وهاهم يقتسمون أماكنهم فيها بالقرعة،حتى إذا ما 
 استقروا فيها بدا لنا مشهد آخر فيه يظهر أهل السُفل متجهين إلى أعلى 
 السفينة يحملون الماء ثم يعودون به إلى أماكنهم، ثم يبدو لنا مشهد أهل 
 العلو وقد تأففوا مما أصابهم من مرور القوم عليهم ،فهم يعلنون ضيقهم 
 وتبرمهم بالأمر،وأنهم لن يتركوا أهل السفل يلحقون الأذى بهم ،ثم يظهر لنا 
 مشهد بعض أهل السفل وقد حملوا فؤوسهم معلنين أنهم وقد تأذى بهم أهل العلو 
 فليس أمامهم من سبيل سوى أن يخرقوا في نصيبهم خرقاً يستقون منه ،ويكون 
 المشهد الختامي نهاية مفتوحة على أحد احتمالين : فإما أن يقوم أهل الحزم 
 والعزم بواجبهم فيمنعوا القوم مما أرادوه من خرق السفينة فينجوا الجميع ، 
 وإما أن يتركوهم وشأنهم فتكون الهلكة العامة. 
 وتصوير الأمر بهذه الصورة البديعة يترك في نفس السامع ولا شك أثراً حياً 
 يدرك به كيف يتطور أمر المنكر في المجتمع فهو يبدأ صغيراً كخرق يسير ثم 
 لا يزال يتسع إن لم يتداركه أهل الحكمة حتى تصعب السيطرة عليه ،وإن ذلك 
 ليوحي للسامع بأهمية الأخذ على أيدي العابثين والقيام على حدود الله ، 
 ويجعله مستحضراً لتلك النتائج الرهيبة المترتبة على التقاعس عن أمر الله ، 
 والمداهنة في حدوده سبحانه. 







ج - اتساق التشبيه مع الغرض الذي سيق من أجله :
من جوانب البلاغة في هذا التشبيه اتساقه مع الغرض الذي سيق من أجله ؛ فإن
تشبيه حال الناس في المجتمع بحال قوم قد ركبوا سفينة ،يتفق غاية الاتفاق
مع الغرض الذي سيق لأجله التشبيه وهو بيان أهمية الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر وخطورة التغاضي عن أصحاب المعاصي والمنكرات؛إذ إن السفينة وهي
في عرض البحر عرضة لمخاطر جمة من الأمواج المتلاطمة والمياه المغرقة
وكائنات البحر المفترسة ،وكل ذلك مما يبين خطورة السكوت على عبث من أراد
خرقها، وأن المجتمعات عرضة لمخاطر لا تقل عن تلك التي يتعرض لها ركاب
سفينة في عرض البحر،وكما أن أخطاء البعض في السفينة يمكن أن تودي بحياة
جميع ركابها،كذلك يمكن أن تودي خطايا بعض الأفراد بخراب مجتمع بأسره.


د- الدقة في اختيار عناصر المشبه به :
من الملاحظ في هذا الحديث الشريف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اختار
عناصر المشبه به بدقة تامة بحيث لا يمكن أن نصل إلى المعنى المقصود بنفس
هذه الدرجة من الوضوح لو اختير للتشبيه عناصر أخرى غيرها ،وعناصر المشبه
به في هذا التشبيه تنحصر في السفينة والماء والقوم الذين في السفينة.
1- فاختيار البحر أو النهر مكاناً للصورة التي يراد التشبيه بها ،يوحي
كما أسلفنا بعظم المخاطر التي تتعرض لها السفينة من الأمواج المتلاطمة
والكائنات البحر المفترسة إضافة لما يمكن أن يترتب على خرق السفينة من
غرق كل من فيها.
2- وفي اختيار السفينة محلاً لأولئك القوم بيان للخطر العظيم المترتب على
فشو المعاصي في المجتمعات ،لأن من يقوم بخرق السفينة لن يهلك نفسه فقط بل
سيهلك الكل معه ،ثم إن السفينة كانت من عهد نوح عليه السلام سبيل السلامة
ورمز النجاة،حتى إنها لتعبر في الرؤيا بالنجاة ،واختيارها ليُشبَّه بها
المجتمع في هذا المثل يوحي للمتأمل بعظم الجرم الذي يرتكبه أصحاب المعاصي
والمنكرات،وهل من جرم أكبر من جرم من أراد أن يحيل رمز النجاة ووسيلة
الخلاص إلى وسيلةٍ للموت والهلاك ؟
3- ثم إن اختيار النوعيات البشرية التي ذكرت في جانب المشبه به يعبر أصدق
تعبير عن أصناف الناس في هذه الحياة الدنيا،فأولئك الذين يريدون أن
يخرقوا السفينة بدعوى أنهم إنما يحفرون في نصيبهم هم أشبه شيء بأولئك
العابثين الذين يتعللون بقضية الحريات الشخصية لإفساد الأمة ،ولا يزال
أحدهم -كما يقول الرافعي رحمه الله -: (( ينقر موضعه من سفينة ديننا
وأخلاقنا وآدابنا بفأسه أي بقلمه ،زاعماً أنه موضعه من الحياة الاجتماعية
يصنع فيه ما يشاء،ويتولاه كيف أراد ،موجهاً لحماقته وجوهاً من المعاذير
والحجج من المدنية والفلسفة ... وكما أن لفظة الخرق يكون من معانيها في
البحر القبر والغرق والإهلاك، فكلمة الفلسفة يكون من بعض معانيها في
الاجتماع الحماقة والغفلة والبلاهة،وكلمة الحرية يكون من معانيها الجناية
والزيغ والفساد،وعلى هذا القياس اللغوي فالقلم في أيدي بعض الكتاب من
معانيه الفأس ،والكاتب من معانيه المخرِّب،والكتابة من معانيها الخيانة ))
(17).
ويشير أهل العلو في المثل المضروب إلى بقية أفراد المجتمع الذين لا يأتون
المنكر ولكنهم قد ياخذون على يدي فاعله وقد يسكتون عنه،وهذا بين واضح في
كل المجتمعات ،لكن رواية البخاري في الشهادات تشير إلى صنف آخر هم
المدهنون أي الذين يداهنون أهل الباطل ،ومنهم من يدعو لتركهم يفعلون ما
يشاؤن بدعوى أنهم يمارسون حقهم في نصيبهم ؛كما في رواية عند أحمد ( فقال
بعضهم : إنما يخرق في نصيبه ) ،وعند الحميدي: ( فقال بعضهم :اتركوه أبعده
الله يخرق في حقه ما يشاء ) ،بل إن منهم من يحرضهم على فعل منكراتهم كما
في رواية ابن حبان : ( فقال من ناوأه من السفهاء : افعل )،وفي هذا كله
إشارة واضحة إلى تلك الفئة التي لا يخلو منها مجتمع والتي تنكر على من
أراد القيام بواجب الأمر والنهي ،وتدعو لترك أهل المعاصي وشأنهم بدعوى
الحرية الشخصية واستناداً لتلك المقالة الإبليسية : ( إنما يخرق في
نصيبه) .
والمقصود أن دقة الاختيار تتجلى في شمول الحديث برواياته المتعددة لكل
أصناف الناس في المجتمع ،ما بين فاعلٍ للمنكر ،وناهٍ عنه ،ومن يقف موقفاً
سلبياً منه،ومن يدعو لتركه وشأنه أو يحرضه على فعله .

هـ - الدقة في اختيار الألفاظ :
وذلك أنه لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي لا ينطق عن الهوى ،
وقد أوتي جوامع الكلم ،فإن من سمات حديثه صلى الله عليه وسلم الدقة
واختيار اللفظ المناسب في موضعه بحيث لا ترى في كلامه (( حرفاً مضطرباً
ولا لفظة مستدعاة لمعناها أو مستكرهة عليه ،ولا كلمة غيرها أتم منها أداء
للمعنى وتأتياً لسره في الاستعمال ))(1.
وإن هذا الأمر ليتجلى في اختياره صلى الله عليه وسلم للألفاظ التي وصف
بها أهل السفينة ،فقد جاءت تلك الألفاظ مطابقةً لحال الناس حتى في ما لا
يتعلق تعلقاً مباشراً بالقضية الرئيسة التي هي موضع عناية الحدي
فمن ذلك مثلاً قوله (استهموا ) : فإنه لو اكتفى بذكر ركوبهم في السفينة
لما أضر ذلك بالمعنى المقصود وهو أهمية الأخذ على أيدي العابثين ،لكن ذكر
الاستهام يدل على أن مواضع القوم في السفينة إنما جاءت على وفق الحق
والعدل ،ففي عرف الشرع أن القرعة عند الاحتياج إليها وسيلة من وسائل
إقامة الحق وإشاعة العدل ،وعليه فليس لأهل السفل أن يبدوا امتعاضهم من
كون نصيبهم قد جاء في أسفل السفينة ،فكأن الحديث يشير إلى أن اقتسام
الحظوظ في هذه الدنيا إنما هو بعدل الله وحكمته،وعلى المرء أن يسعى
ويجتهد ثم ليرضَ بعد ذلك بما قدره الله له من متاع هذه الحياة ،وليس له
إن قُدر عليه رزقه أن يعترض على قدر الله ،أو أن يبيح لنفسه ارتكاب ما
حرم الله بدعوى أنه وقد حُرم مما أوتي غيره فله أن يصل إلى مثل ما فيه
هذا الغير ولو بالطرق المحرمة الممنوعة.
وإذا كان قوله (استهموا ) يشير كما أسلفنا إلى أن الوضع في السفينة بدأ
بالقسمة العادلة ،فإن ذلك يعني أن محاولة الإفساد هي محاولة طارئة لا
أصلية ،وذلك يخدم قضية إيمانية أخرى ،وهي أن الأصل في البشرية كان
التوحيد والصلاح ،وأن الشرك والفساد طارئان عليها ،فلم تبدأ البشرية
بالوثنية وتعدد الآلهة كما يزعم أصحاب نظرية الطوطم ،بل بدأت بالتوحيد
على عهد آدم عليه السلام واستمر الأمر على ذلك زمناً حتى طرأ الشرك
والفساد.
وفي الحديث أيضاً أن تأذي أهل العلو من مرور أهل السفل عليهم كان من
الأمور التي حملتهم على خرق السفينة؛ ففي رواية الترمذي ( فقال الذين في
أعلاها :لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا )،وعند البخاري في الشهادات (قال:
تأذيتم بي ولابد لي من الماء)،وفي هذا إشارة إلى صنف من أرباب الجرائم لا
يكون الواحد منهم شريراً بطبعه ،أو قد يكون ممن تتنازعه دوافع الخير
ودوافع الشر،فربما رجَّح جانبَ الشر عنده تصرفٌ غير رشيد من بعض مَن حوله،
وهذا وإن لم يكن مانعاً من الأخذ على يديه ومنعه من فعل الشر ،فإنه يلفت
النظر إلى خطورة ما قد يبدو من البعض من تصرفات متعمدة أو غير متعمدة
تدفع غيرهم إلى الوقوع في المعاصي والذنوب ،وعليه فالمؤمن الحق يحرص على
أن يعين غيره على فعل الخير فإن لم يفعل فلا أقل من أن لا يكون دافعاً له
إلى الشر والله تعالى أعلم .
وفي قوله حكاية عن أهل السفل : ( لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ
من فوقنا)، إشارة إلى صنف من الناس يبررون ارتكابهم لما يخالف الشرع بنبل
مقصدهم وسموهدفهم ،والحديث يرد هذا التفكير السقيم ؛فهو يوضح أنه مهما
تعلل أولئك القوم بأن مقصدهم من خرق السفينة هو دفع الأذى عمن فوقهم فإن
ذلك ليس مصحِحاً لعملهم،ولا مانعاً من اعتباره منكراً يجب تغييره.
والله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً صواباً ،كما بين ذلك
الفضيل بن عياض في معنى قوله تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم
أيكم أحسن عملاً ) ( الملك :2) ،وقال رحمه الله:(( فالخالص أن يكون لله ،
والصواب أن يكون على السنة ،ثم قرأ قوله : (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل
عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً)...))(19).
ذلك أن العمل لا يكون حسناً حتى تكون نية صاحبه خالصة لله عز وجل ،ويكون
مع ذلك موافقاً للشريعة الغراء،ومتى فقد أحد هذين الشرطين فهو باطل
مردود ،(( فالعمل المتفق ظاهره مع الشرع إذا كان صاحبه مرائياً أو
منافقاً يحبط أجره ،والقصد الصالح إذا لم يجر في طريقه الذي رسمه الدين
فلا قيمة له ولا يلتفت إليه))(20).
و- صفة العموم في هذا التشبيه :
وذلك أن الدارس للتشبيهات التي توجد في أمثلة الشعوب وآدابها، سيجدها
ولاشك معبرة عن زمانها وبيئتها التي قيلت فيها ،بينما نجد الأمر على خلاف
ذلك في تشبيهات القرآن الكريم والسنة المطهرة،فهي تتسم بالعمومية بحيث لا
يجد السامع في أي عصر وأي مصر كبير عناء في فهم المثل ومعرفة المقصود
منه .
ولا غرو في ذلك فإنه لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم رسولاً للناس
كافة ،وكانت رسالته هي الرسالة الخاتمة المخاطَب بها الناس كلهم إلى يوم
الدين ،فقد انبنى على ذلك أن يكون الخطاب فيها متصفاً بصفة العموم حتى
يمكن للكل فهمه ومعرفة المقصود منه.
وفي هذا الحديث نلمح صفة العمومية في اختياره صلى الله عليه وسلم لعناصر
المشبه به ،فهي الماء والسفينة وأهل السفينة ،وهي عناصر يستوي في إدراكها
كل الناس حتى الذين يعيشون في بيئة لا بحار فيها ولا أنهار،وهي أمور
لازمة للبشرية في كل عصورها مهما تقدمت علومها وازدهرت حضارتها .
بل إن جُل من خوطبوا بهذا المثل لأول مرة كانوا من أهل البر الذين لم
يعتادوا ركوب البحر ،بل هو نفسه صلى الله عليه وسلم لم يركب سفينة قط.
ثم إن كون أهل السفل في المثل المضروب أرادوا خرق السفينة ليستقوا يدل
على أن السفينة كانت تجري بهم في نهر عذب الماء ،وهو ما لا وجود له في
جزيرة العرب بالكلية.
ومعنى ذلك أن التشبيه لم يكن مستمداً من البيئة التي كان يعيش فيها النبي
صلى الله عليه وسلم ،وهذا يؤكد ما أسلفناه من وجود صفة العموم في هذا
المثل العظيم.

هذا والله تعالى أعلم ،والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الشيخ : عبد الاخر حماد الغنيمى

__________   ________

تُروعُنــا الجنـائزُ مُقبـــلاتٍ ونلهــو حين تذهـبُ مُدبـــراتٍ 
 كروعــةِ ثلّةٍ لُمغـار ِذئـــبٍ فلمــا غاب عـادت رائعـــات

ليست هناك تعليقات: